أبو الليث السمرقندي

46

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ثم قال : وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ في هذا تفضيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لأنه قد ذكر جملة الأنبياء - عليهم السلام - ثم خصّه بالذكر قبلهم ، وكان آخرهم خروجا . ثم ذكر نوحا لأنه كان أولهم . ثم ذكر إبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم - صلوات اللّه عليهم - لأن كل واحد منهم كان على أثر بعض . فقال : وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ثم قال : وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً يعني : عهدا وثيقا أن يعبدوا اللّه تعالى ، ويدعوا الخلق إلى عبادة اللّه عز وجل ، وأن يبشروا كل واحد منهم بمن بعده . ثم قال عز وجل : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ يعني : أخذ عليهم الميثاق لكي يسأل الصادقين عن صدقهم . يعني : يسأل المرسلين عن تبليغ الرسالة . ويسأل الوفيّين عن وفائهم . وروي في الخبر : أنه يسأل القلم يوم القيامة . فيقول له : ما فعلت بأمانتي ؟ فيقول : يا رب سلمتها إلى اللوح . ثم جعل القلم يرتعد مخافة أن لا يصدقه اللوح . فيسأل اللوح بأن القلم قد أدى الأمانة ، وأنه قد سلم إلى إسرافيل . فيقول لإسرافيل : ما فعلت بأمانتي التي سلمها إليك اللوح ؟ فيقول : سلمتها إلى جبريل . فيقول لجبريل - عليه السلام - : ما فعلت بأمانتي . فيقول : سلمتها إلى أنبيائك . فيسأل الأنبياء - عليهم السلام - فيقولون : قد سلمناها إلى خلقك ، فذلك قوله تعالى : لِيَسْئَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً يعني : الذين كذبوا الرسل . قوله عز وجل : [ سورة الأحزاب ( 33 ) : آية 9 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ يعني : احفظوا منة اللّه عليكم بالنصرة . إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ يعني : الأحزاب . وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم لما قدم المدينة ، صالح بني قريظة وبني النضير على أن لا يكونوا عليه ، ولا معه . فنقضت بنو النضير عهودهم ، وأجلاهم النبي صلّى اللّه عليه وسلم منها ، وذكر قصتهم في سورة الحشر . ثم إنّ بني قريظة جددوا العهد مع النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ثم إن حيي بن أخطب ركب ، وخرج إلى مكة . فقال لأبي سفيان بن حرب : إن قومي مع بني قريظة وهم سبعمائة وخمسون مقاتلا . فحثّه على الخروج إلى قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ثم خرج من مكة إلى غطفان وحثهم على ذلك . ثم خرج إلى كنانة وحثهم على ذلك . فخرج أبو سفيان مع جماعة من أهل مكة . وخرج غطفان وبنو كنانة حتى نزلوا قريبا من المدينة مع مقدار خمسة عشر ألف رجل . ويقال : ثمانية